منوعات

د. إبراهيم الدسوقي: الصناعة لا تُقاس بسرعة النتائج… بل بعمق الأثر

ماهر بدر

في زمن أصبحت فيه سرعة الإنجاز معيارًا للحكم على النجاح، باتت النتائج السريعة تحظى بالاهتمام الأكبر، بينما قد تمر مشروعات وقطاعات كاملة تعمل في صمت، دون أن تحصل على القدر نفسه من التقدير، فقط لأنها تحتاج إلى سنوات حتى تظهر ثمارها.

وفي هذا السياق، صرّح د. إبراهيم الدسوقي بأن الصناعة تُعد من أهم القطاعات التي لا يمكن قياس أثرها بمنطق السرعة وحده، مؤكدًا أن بناء قاعدة صناعية قوية يحتاج إلى رؤية طويلة المدى، واستثمار مستمر، وقدرة على تحمّل الوقت اللازم لتحقيق نتائج مستدامة.

وقال د. إبراهيم الدسوقي إن إنشاء مصنع أو تطوير صناعة لا يبدأ وينتهي عند وضع حجر الأساس أو تشغيل خطوط الإنتاج، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل البنية الأساسية، والتكنولوجيا، والتمويل، والكوادر البشرية المؤهلة، والتدريب المستمر، والخبرات المتراكمة، وسلاسل التوريد والإنتاج، إلى جانب أسواق قادرة على استيعاب المنتج والمنافسة محليًا وخارجيًا.

وأضاف أن هذه المراحل تحتاج إلى الوقت والصبر والاستمرارية، موضحًا أن الأمر لا يختلف كثيرًا في قطاعات أخرى تمثل ركائز أساسية للتنمية، مثل الزراعة والتعليم والصحة، حيث قد لا تظهر نتائج الاستثمار خلال أيام أو أشهر، لكنها تترك أثرًا ممتدًا لسنوات وربما لأجيال.

وأشار إلى أن بعض المجالات تستطيع تقديم نتائج سريعة ومرئية تجذب الانتباه بسهولة، في حين تعمل قطاعات أخرى على بناء الأساس الذي تعتمد عليه تلك النتائج مستقبلًا، مؤكدًا أن ليس كل ما يظهر سريعًا يكون عميق الأثر، وليس كل ما يتأخر في الظهور يكون قليل القيمة.

وأوضح د. إبراهيم الدسوقي أن الصناعة تحديدًا تحتاج إلى رؤية طويلة المدى؛ لأنها لا تنتج سلعة فقط، بل تبني خبرات، وتخلق فرص عمل، وتدعم سلاسل من الأنشطة الاقتصادية، وتفتح أبوابًا للتصدير، وتقلل الاعتماد على الاستيراد، وتعزز قدرة الاقتصاد على النمو والمنافسة.

وفيما يتعلق بمفهوم الاستدامة، أكد أن الاستدامة بمعناها الحقيقي لا تقتصر على استمرار المشروع في العمل، وإنما تعني امتلاك القدرة على الاستمرار والإنتاج، والاستفادة من موارد الدولة بكفاءة، وتحويل هذه الموارد إلى قيمة مضافة حقيقية تعود بالنفع على المجتمع والاقتصاد.

وأضاف أن تطوير الصناعات الوطنية وبناء القدرات الإنتاجية لا يحققان عائدًا اقتصاديًا فحسب، بل يعززان أيضًا قدرة الدولة على الاعتماد على إمكاناتها ومواردها، ويقللان من تعرضها للضغوط والاحتياجات التي قد تجعل قرارها الاقتصادي مرهونًا بالآخرين.

وأوضح أن امتلاك القدرة على إنتاج الاحتياجات الأساسية، واستغلال الموارد، وتطوير الكوادر البشرية، ونقل التكنولوجيا وتوطينها، وتراكم الخبرات، كلها عوامل تجعل الاقتصاد أكثر قدرة على حماية موارده وصناعة قراره وتحقيق تنمية مستقرة.

وشدد د. إبراهيم الدسوقي على أن جوهر الاستدامة يتمثل في الاستمرارية، وأن الاستمرارية تحتاج إلى بناء حقيقي، بينما يتطلب البناء الحقيقي رؤية واضحة وصبرًا ودعمًا مستمرًا.

ومن هذا المنطلق، أشار إلى أن تقييم الدعم الموجّه للصناعة لا ينبغي أن يعتمد فقط على سؤال: متى ظهرت النتيجة؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سيبقى من هذا الدعم بعد سنوات؟

وهل أسهم هذا الدعم في خلق قدرة إنتاجية حقيقية؟ وهل ساعد في بناء الكوادر والخبرات؟ وهل دعم التكنولوجيا والابتكار، وفتح أسواقًا جديدة، وساهم في استغلال موارد الدولة بصورة أفضل؟ وهل أوجد صناعة قادرة على المنافسة والاستمرار دون أن تظل رهينة للاحتياجات أو الظروف الخارجية؟

وأكد أن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تكشف القيمة الحقيقية للدعم، فإذا أسهم في بناء قاعدة إنتاجية قوية، فإن أثره يتجاوز تحقيق نتيجة مؤقتة ليصبح استثمارًا في قدرة اقتصادية قابلة للنمو والاستمرار.

واختتم د. إبراهيم الدسوقي حديثه بالتأكيد على أن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بما يمكن رؤيته أو تصويره اليوم، وإنما بما يمكن البناء عليه غدًا، داعيًا إلى تغيير زاوية النظر إلى نتائج التنمية، بحيث لا تُقاس قيمة الدعم بسرعة ظهور أثره، بل بعمق هذا الأثر وقدرته على الاستمرار.

وأوضح أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، وإنما بقدرتها على إدارة هذه الموارد واستثمارها وتحويلها إلى إنتاج وقيمة مضافة، وبناء منظومة اقتصادية قادرة على الاستمرار.

فالاستدامة هي الاستمرارية… أن نستفيد من مواردنا اليوم، ونحافظ عليها للمستقبل، ونبني بها قدرة إنتاجية تعزز استقلال القرار الاقتصادي. فما نبنيه اليوم باستدامة، هو ما يمنحنا القدرة على الاستمرار غدًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock