أخباراقتصاد وبورصة

سعر الذهب عيار 24 اليوم يكسر الحاجز التاريخي.. والأسواق تترقب زلزال الـ 5000 دولار عالمياً

من الزينة إلى الخزينة.. المصريون يودعون المشغولات ويلجأون للسبائك بعد زلزال الأسعار

العالم الاقتصادي- ريهام سليم

شهد سعر الذهب عيار 24 اليوم استقراراً عند مستويات قياسية غير مسبوقة في الأسواق المصرية، حيث سجل الجرام 7714 جنيهاً خلال تعاملات الثلاثاء 10 فبراير 2026. يأتي هذا الارتفاع في سعر الذهب عيار 24 اليوم مدفوعاً بالقفزة التاريخية للأوقية عالمياً والتي استقرت فوق حاجز الـ 5000 دولار، مما وضع الصاغة والمستثمرين في حالة من التأهب لترقب حركة العرض والطلب في ظل هذه القمة السعرية الجديدة التي لم تكن تخطر على بال أكثر المحللين تشاؤماً قبل أعوام قليلة.

واقع جديد تفرضه لغة الأرقام

في جولة ميدانية بين أزقة محلات الصاغة العريقة بوسط القاهرة، تجد المشهد منقسماً ومثيراً للتأمل العميق؛ شاب في مقتبل العمر يراجع حساباته مراراً وتكراراً أمام واجهة العرض، يمسك بهاتفه ليجري عمليات حسابية معقدة لتكلفة “دبلة وخاتم” بسيطين، آملاً ألا تلتهم هذه القطع الصغيرة مدخرات سنوات طوال من الكد والعمل. وعلى الجانب الآخر، تجد رباً لأسرة يحاول تأمين مستقبل أبنائه بشراء سبيكة صغيرة بجرامات معدودة، وسط حالة من الذهول الجماعي التي تسيطر على الوجوه فور سماع أن سعر الذهب عيار 24 اليوم قد استقر عند هذا الرقم الفلكي.

ورغم الهدوء الذي يسيطر على التعاملات الصباحية، إلا أنه هدوء يوصف بـ “الحذر الشديد” أو ما يسميه التجار “استراحة محارب”. فقد استقر عيار 21 – الذي يمثل نبض السوق المصري والأكثر تداولاً بين الطبقات المتوسطة – عند 6750 جنيهاً، بينما لامس الجنيه الذهب حاجز الـ 54 ألف جنيه. هذه الأرقام الفلكية لم تأتِ من فراغ، بل هي انعكاس مباشر لزلزال عالمي ضرب الأسواق المالية، حيث استقرت الأوقية عالمياً عند 5010 دولارات، متجاوزة حاجزاً نفسياً وتاريخياً غير مسبوق في الأوساط الاقتصادية.

خلف الواجهات البراقة.. حكايات الصمود والتدبير

داخل أحد المحلات العريقة، يتحدث “الحاج محمود”، تاجر ذهب قضى أكثر من أربعين عاماً في أروقة هذه المهنة، قائلاً بنبرة تملؤها الخبرة: “الزبون اليوم تغيرت هويته وأهدافه تماماً؛ لم يعد يشتري للتباهي أو لإكمال طقم زينة. بالأمس كانت السيدة تدخل لتشتري (غويشة) لأن شكلها أعجبها، أما اليوم فتدخل ومعها ورقة وقلم، تسأل بدقة عن وزن السبيكة، ونسبة (الكاش باك)، وتفاضل بين الشركات والبراندات لتوفر حتى مائة جنيه في المصنعية”.

هذا التحول الجذري في سلوك المستهلك يعكس وعياً اقتصادياً فطرياً فرضته الظروف القاسية. فمع وصول سعر عيار 18 إلى 5786 جنيهاً، باتت المشغولات الذهبية التقليدية تمثل عبئاً مالياً إضافياً بسبب المصنعية المرتفعة وضريبة الدمغة التي تضاف للجرام، مما دفع شريحة كبرى من المصريين نحو “الذهب الخام” أو السبائك المغلفة التي ترتبط مباشرة بـ سعر الذهب عيار 24 اليوم، باعتبارها الملاذ الآمن والوحيد الذي يحفظ قيمة العملة دون مخاطرة بضياع جزء من القيمة عند إعادة البيع.

الذهب والزواج.. المعضلة التي تؤرق المضاجع

وعلى جانبي الطريق، لا تخلو الأحاديث الجانبية بين العائلات من مناقشة “أزمة الشبكة” المستعصية. يقول “أحمد”، محاسب شاب يستعد لخطبة زميلته: “كنت قد رصدت مبلغاً للشبكة منذ عام تقريباً، وظننت أنه مبلغ ضخم، واليوم اكتشف أن هذا المبلغ بالكاد يشتري بضعة جرامات لا تكاد تُرى بالعين المجردة. نحن أمام واقع اجتماعي جديد يتطلب تغيير ثقافة الزواج بالكامل، فالذهب الذي كان لعقود رمزاً للفرح والبهجة، أصبح اليوم عقبة مادية تتطلب حلولاً غير تقليدية وتنازلات من الطرفين”.

ويرى خبراء علم الاجتماع أن هذه القفزات السعرية الجنونية بدأت بالفعل في نحت عادات اجتماعية جديدة؛ حيث بدأت بعض العائلات في القرى، التي كانت تتمسك بأوزان ثقيلة من الذهب، تتقبل فكرة “الشبكة الرمزية” أو استبدال الذهب بمصادر استثمارية أخرى، أو حتى الاكتفاء بـ “دبلة فضة” في بعض الأحيان لضمان إتمام الزيجة، وهو ما يعكس مرونة وقدرة المجتمع المصري على التكيف مع الأزمات الاقتصادية الطاحنة.

رؤية تقنية لمستقبل المعدن الأصفر

من الناحية الفنية والتحليلية، يرى محللون اقتصاديون أن استقرار الذهب فوق مستويات الـ 5000 دولار عالمياً يعطي إشارة فنية قوية بأن المعدن الأصفر قد دخل دورة سعرية جديدة ولن يعود لمستوياته القديمة في القريب العاجل. فالتوترات الجيوسياسية المستمرة وتقلبات العملات الورقية الكبرى تجعل المصارف المركزية قبل الأفراد تتسابق على زيادة احتياطياتها من الذهب كدرع واقٍ ضد التضخم.

وفي السوق المصري، يظل الترقب هو سيد الموقف المطلق. فالفجوة بين سعري البيع والشراء والتي تبلغ حوالي 20 جنيهاً، تشير إلى وجود حذر متبادل بين التاجر والمستهلك، وحركة تداول تتسم بالحرص الشديد. وينصح الخبراء دائماً بأن الذهب هو “استثمار النفس الطويل” وأداة للتحوط وليس للمضاربة السريعة، ولا يجب أبداً المغامرة بأموال قد يحتاجها الشخص على المدى القريب، لأن تذبذبات السوق، رغم اتجاهها الصعودي العام، قد تكون قاسية ومفاجئة في تصحيحاتها السعرية.

يبقى الذهب في وجدان المصريين هو “الزينة والخزينة”، لكن مع وصوله لهذه القمم السعرية الشاهقة والمنيعة، تفوقت قيمة “الخزينة” وصوت العقل على بريق “الزينة” وعاطفة الاقتناء. إنها رحلة بحث شاقة عن الأمان والاستقرار في عالم مضطرب ومتقلب، حيث يظل ذلك المعدن البراق هو اللغة العالمية الوحيدة التي يثق الجميع في فصاحتها وقيمتها، مهما ارتفعت الأرقام أو تعقدت الظروف السياسية والاقتصادية، ليبقى السؤال المعلق فوق واجهات محلات الصاغة بانتظار إجابة الأيام القادمة: إلى أي مدى سيصمد كبرياء وبريق الذهب أمام طوفان الأسعار الذي لا يهدأ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock