العالم الاقتصادي

د. مصطفى نوارج: التسويق العربي يحتاج إلى فهم أعمق لسلوك المستهلك لا إلى مزيد من الإعلانات

خبير التسويق: خبرتي في 22 دولة علمتني أن العميل لا يشتري المنتج الأفضل دائمًا

نوارج: كتبت في التسويق وسلوك المستهلك لأن المكتبة العربية تحتاج إلى نماذج واقعية من السوق

من يملك «مناسبة الاستخدام» يملك التكرار.. ومن يملك التكرار يصنع العادة الشرائية

 

يمثل د. مصطفى نوارج أحد الأسماء البارزة في مجال التسويق وسلوك المستهلك والتدريب المؤسسي في العالم العربي، من خلال مسيرة مهنية امتدت لأكثر من عقدين، عمل خلالها مستشارًا ومحاضرًا ومدربًا مع شركات ومؤسسات في قطاعات متعددة وأسواق عربية مختلفة.

 

ويرى نوارج أن التسويق العربي لم يعد بحاجة إلى المزيد من الشعارات أو الحملات التقليدية، بقدر ما يحتاج إلى فهم أعمق لطريقة تفكير المستهلك العربي، وكيف يتخذ قرار الشراء، ولماذا يكرر استخدام منتج ويتجاهل آخر، رغم أن الأخير قد يكون أفضل من حيث الجودة أو السعر.

 

في هذا الحوار، يتحدث د. مصطفى نوارج عن مسيرته المهنية، وتجربته في أسواق عربية ودولية، ورؤيته لمستقبل التسويق، ودور الكتب والتدريب في تطوير وعي الشركات العربية.

 

في البداية.. كيف بدأت رحلتك مع التسويق؟

 

يقول د. مصطفى نوارج إن علاقته بالتسويق بدأت من السؤال لا من الإعلان؛ السؤال عن سبب اختيار العميل لمنتج معين، ورفضه لمنتج آخر، وكيف تتكون الثقة داخل ذهن المستهلك.

 

ويضيف: «كنت دائمًا مهتمًا بما يحدث قبل قرار الشراء. الإعلان هو الجزء الظاهر، لكن خلفه توجد طبقات كثيرة من الإدراك، والخوف، والتجربة السابقة، والصورة الذهنية، والعادات اليومية».

 

وأوضح أن هذا الاهتمام دفعه إلى دراسة التسويق وسلوك المستهلك بصورة أعمق، ثم العمل في الاستشارات والتدريب، حيث تعامل مع شركات في قطاعات مختلفة، من التجزئة والمطاعم والعقارات إلى الخدمات والتعليم والصحة.

 

ما أهم ما علمتك إياه التجربة في 22 دولة؟

 

يرى نوارج أن العمل في أسواق متعددة كشف له أن القواعد العامة للتسويق لا تكفي وحدها، لأن كل سوق له ثقافته وسلوكه ومخاوفه وطريقة استجابته للرسائل التسويقية.

 

ويقول: «العمل في 22 دولة علمني أن العميل العربي ليس كتلة واحدة. ما يقنع عميلًا في القاهرة قد لا يقنع عميلًا في الرياض أو دبي أو بغداد. هناك تشابه في اللغة، لكن هناك اختلافات عميقة في الثقافة الشرائية، ومستوى المخاطرة، والثقة، وطريقة اتخاذ القرار».

 

وأضاف أن الخطأ الشائع لدى بعض الشركات هو استيراد نماذج تسويقية جاهزة ثم تطبيقها كما هي، دون إعادة ترجمتها نفسيًا وثقافيًا بما يناسب السوق المحلي.

 

كتبت عددًا كبيرًا من الكتب.. لماذا اتجهت إلى التأليف؟

 

يقول نوارج إن التأليف بالنسبة له لم يكن نشاطًا جانبيًا، بل امتداد طبيعي للتدريب والاستشارات.

 

ويضيف: «كنت أجد فجوة واضحة في المحتوى العربي التطبيقي في التسويق. لدينا كتب مترجمة ونظريات مهمة، لكننا نحتاج إلى أمثلة من السوق العربي، وقصص من واقع الشركات، وحالات عملية يفهمها المدير وصاحب المشروع والطالب».

 

وأشار إلى أن كتبه تركز على تحويل المفاهيم التسويقية إلى أدوات عملية، بحيث لا يبقى التسويق مجرد مصطلحات، بل يصبح طريقة في قراءة السوق والعميل والمنافس.

 

ما رؤيتك للتسويق العربي اليوم؟

 

يرى د. مصطفى نوارج أن التسويق العربي يمر بمرحلة انتقالية مهمة، إذ لم تعد المشكلة في الوصول إلى الجمهور، بل في فهمه.

 

ويقول: «اليوم تستطيع أي شركة أن تصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص عبر المنصات الرقمية، لكن الوصول لا يعني التأثير. المشكلة الحقيقية ليست في عدد الإعلانات، بل في جودة الفهم».

 

وأوضح أن الشركات التي ستفوز في المرحلة المقبلة هي التي تجمع بين البيانات والتحليل النفسي والسياق الثقافي، وتفهم أن قرار الشراء ليس قرارًا منطقيًا بالكامل، بل يتأثر بالخوف، والثقة، والاعتياد، والانتماء، والصورة الاجتماعية.

 

كثيرًا ما تتحدث عن سلوك المستهلك.. لماذا لا يشتري الناس المنتج الأفضل دائمًا؟

 

يؤكد نوارج أن جودة المنتج مهمة، لكنها ليست العامل الوحيد في القرار الشرائي.

 

ويقول: «العميل لا يدخل السوق كآلة حساب. هو يدخل محملًا بتجاربه السابقة ومخاوفه وتوقعاته وصورته عن العلامة التجارية. لذلك قد يختار المنتج الأكثر أمانًا في ذهنه، لا المنتج الأفضل فنيًا».

 

وأضاف أن كثيرًا من الشركات تخسر لأنها تفترض أن التفوق في الجودة يكفي، بينما السوق يكافئ المنتج الذي يفهم لحظة الاحتياج، ويقلل الإحساس بالمخاطرة، ويبني ثقة قابلة للتكرار.

 

تحدثت عن مفهوم «مناسبة الاستخدام».. ماذا تقصد به؟

 

يشرح نوارج أن «مناسبة الاستخدام» أو Usage Occasion تعني اللحظة التي يشعر فيها المستهلك أن المنتج أصبح مناسبًا أو ضروريًا له.

 

ويقول: «السؤال ليس فقط: ما فائدة المنتج؟ بل متى يستخدمه العميل؟ أين؟ ولماذا الآن؟ وكلما كانت مناسبة الاستخدام متكررة، زادت فرص الاستهلاك والنمو».

 

وأضاف: «من يملك المناسبة يملك التكرار، ومن يملك التكرار يقترب من صناعة العادة الشرائية».

 

هل يمكن للشركات أن تنمو دون جذب عملاء جدد؟

 

يقول نوارج إن النمو لا يبدأ دائمًا من إضافة عملاء جدد، بل قد يبدأ من زيادة استخدام العملاء الحاليين للمنتج.

 

وأوضح: «إذا كان العميل يستخدم المنتج مرة واحدة أسبوعيًا، ثم أصبح يستخدمه ثلاث مرات، فقد تضاعف السوق الفعلي دون أن تضيف الشركة عميلًا جديدًا واحدًا».

 

وأكد أن ذلك لا يعني دفع المستهلك إلى الاستهلاك المفرط، بل يعني إعادة تعريف اللحظات التي يحتاج فيها إلى المنتج، وربطه بسلوك واضح ومتكرر داخل حياته اليومية.

 

هل لديك أمثلة على ذلك؟

 

يشير نوارج إلى أن بعض العلامات التجارية تنجح لأنها لا تبيع المنتج فقط، بل تبيع طريقة استخدامه.

 

ويقول إن «ديتول» مثلًا يمتلك صورة ذهنية قوية مرتبطة بالتطهير والتعقيم، لكنه في ذهن بعض المستهلكين يرتبط بمواقف محددة مثل الجروح أو التعقيم عند الحاجة.

 

أما «لايف بوي»، فيقدم نموذجًا مختلفًا لأنه يربط استخدام الصابون بمواقف يومية متكررة، مثل ما بعد استخدام الحمام، وقبل تناول الطعام، وبعد العودة من الخارج، أو بعد اللعب ولمس الأسطح.

 

ويضيف: «الفارق هنا ليس في المنتج فقط، بل في عدد المرات التي يشعر فيها العميل أنه يحتاج إليه».

 

كما يوضح أن «أكتيفيا» قدمت مثالًا آخر عندما ربطت المنتج بفترة استخدام محددة، مثل برنامج 14 يومًا، ما يحول التجربة من حل مؤقت إلى عادة قابلة للتكرار.

 

ما الأخطاء الأكثر شيوعًا لدى الشركات العربية؟

 

يرى نوارج أن من أكثر الأخطاء شيوعًا أن تبدأ الشركة من المنتج لا من العميل.

 

ويقول: «بعض الشركات تسأل: كيف نبيع هذا المنتج؟ بينما السؤال الأهم هو: ما المشكلة التي يعيشها العميل؟ وفي أي لحظة يشعر بالحاجة؟ وما الخوف الذي يمنعه من الشراء؟».

 

وأضاف أن الاعتماد الزائد على الخصومات والإعلانات قد يحقق مبيعات قصيرة الأجل، لكنه لا يبني علامة تجارية قوية إذا لم يكن مدعومًا بفهم حقيقي لسلوك المستهلك.

 

كيف ترى دور التدريب في تطوير التسويق داخل الشركات؟

 

يؤكد نوارج أن التدريب لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة للشركات التي تريد المنافسة.

 

ويقول: «الموظف الذي يتعامل مع العميل يحتاج إلى فهم نفسي وسلوكي، وليس فقط معرفة بالمنتج. البيع ليس ضغطًا على العميل، بل فهم لما يحتاجه وكيف يقرر».

 

وأوضح أن برامج التدريب الناجحة يجب أن تربط بين النظرية والتطبيق، وأن تستخدم حالات واقعية من السوق، حتى يستطيع فريق المبيعات والتسويق تحويل المعرفة إلى أداء.

 

ما الرسالة التي توجهها للشركات ورواد الأعمال؟

 

يقول د. مصطفى نوارج إن على الشركات أن تتوقف عن النظر إلى التسويق باعتباره حملة إعلانية فقط.

 

ويضيف: «التسويق يبدأ من فهم السوق، ثم فهم العميل، ثم بناء عرض مناسب، ثم صياغة رسالة تقنعه، ثم تصميم تجربة تجعله يعود مرة أخرى».

 

واختتم حديثه قائلًا: «النمو الحقيقي لا يبدأ دائمًا من عميل جديد، بل قد يبدأ من عميل قديم فهم أخيرًا متى يحتاج إلى المنتج، ولماذا يثق فيه، ولماذا يكرر استخدامه. التسويق العربي يحتاج إلى هذه النقلة: من الإعلان إلى الفهم».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock